الجدران دفاتر المجانين
لأن النقد غائب كم أنسمع كل يوم من مبدعينا في الأدب والفن التشكيلي حيث أنه مشغول بالنقاش حول مصطلح الأدب النسوي والأدب الذكوري وهل يصح هذا التصنيف أم لا ؟! متناسيا دروب أخرى تستحق الموقف عندها طويلا؟! لذلك سأستعير نظارة الناقد وقلمه حتى عدسته المكبرة , وسأضع تحت المجهر نوعا من الأدب أغفله للأسف كل نقادنا , إلا وهو أدب الجدران والحمامات , وهو نوع من الأدب الراقي الذي حط عينا لا أدري كيف ومتى وأيان ويغلب عليه الصفة العلمية والاجتماعية , فما أن تدخل الحمام وتقلع الباب إن لم يكن قبل ذلك مستنشقا جميع الروائح العطرة التي تصدر من وردة حمراء نسيتها إحدى الأخوات هنا ( عيانا بيانا )أو برعم صغير انشغلت إحدى الأمهات سهو عن وضعه في مزهريته المتواجدة خلف الباب , والتي لم يسعفني حظي العاثر برؤيتها مليئة ولو مرة في تاريخ استخدام الحمامات العمومية , رغم كثرة الورود والبرعم المتراشقة , التي تحاول الأخوات استنباتها على البلاط أو تسميد البلاط بها دون حتى طي ترحمنا فيه من معرفة الحالة الصحية لها أو لولدها , حتى يواجهك كم من المقالات العلمية الراقية والهادفة المدعمة بالرسوم التشريحية و التفصيلية , مرفقة بجميع التسميات العلمية والعامية اللازمة لشرح واف لكل جزء أو عضو , والتي تعطي درسا فيزيولوجيا رائعا و ودرسا حضاريا أروع , لكل من تسول له نسه الدخول للحمام , سواء من قبيل و لإحياء في العلم .. ولا حياء في التعليم .. ولا في الحمامات العمومية . وما يلفت النظر أكثر هو ذلك الحرص الاجتماعي الراقي على التعرف على خلق الله , وخلق علاقات تفاعلية تنهض بالمتمتع , فتجد فلانا أو فلانة وقد وجدت المكان اللائم لحضرة اسمها وأرفقت بالاسم
( رقم الجوال ) وبعض التفاصيل المهمة عن تلك ( الشخصية البارزة ) وأم مواهبها وتطلعاتها وإنجازاتها للأمة والوطن . وهذا بالضبط ما غاب عن نقادنا المحترمين , فعلى تلك الجدار باستطاعتك أن تكتشف مواهب ما لوجودها داعي , من رسم ونحت ومقال وحكم تكتب فردى وجماعات على أبواب الحمامات , ولأنني مازلت كما تعرفوني دائما ذلك الكائن الرجعي الذي لا يستسيغ تلك المستحدثات والمستجدات , فإني أرثي لحال أمي ....( ,بقية الأمهات ) , والتي تركض كلما اضطررنا إلى استخدام الحمامات العمومية لتتأكد من خلو المكان من أي مشاهد إباحية وأي ذبابة منزلية كانت أو حماميه وأي وردة أو مزهرية وتنظيف الحمام قبل دخولنا إلية خوفا علينا من عدوى جرثومية مرضية صحية أو أخلاقية . وكثيراَ ما أشعر بامتعاضنا أثناء سفرنا أو تجوالنا عند بدء إحدانا بالشكوى طالبا للحمام , أو أنتبه للإجراءات الوقائية التي تبدأ بإجبارنا على دخول الحمام قبل الخروج من المنزل , مرورا بمنعنا من تناول المشروبات والسوائل وحتى الطعام إلا في الحالات الاضطرارية , وصولا إلى مراقبة وتفحص الحمامات قبيل دخولنا إليها . وإذا كان الحال كما يقال : لكل فعل سبب وردة فعل , فما هو سبب هذه الجرائد اليومية , و الجداريات الملونة القابلة للتحديث على يد الفتى والصبية , ولماذا لم تجد ( شلة الوناسة ) مكانا خير من الحمام تكتب فيه تاريخ مرورها الكريم وكأنه مرور الفاتحين ويجب أن يسجله التاريخ على جدران الحمامات لئلا يفقد تاريخهم مصداقيته , ولماذا تركت فلانة رقم جوالها مع وصف لها , وهو أقرب للسب والشتيمة من وصف لشخصية سوية , ولا أجد خيرا منه لوصفها , مع أني لو نعتها بما كتبت عن نفسها لنلت لكمة وقطعت شعري إن لم يكن أوصالي ؟! .... ومتى وكيف صارت الجدران مكانا للكتابة والرسم والتعبير عن الأعراض الكامنة للأمراض الأخلاقية التي تصيب بعض أفراد مجتمعنا المحافظ ... أصلا يبدوا أنه كما قال الحكماء (الجدران دفاتر المجانين)
|