ذبح ابنه كما تُذبح الشاة!!!
ذبح ابنه كما تُذبح الشاة!!!
كان رجلا ً متوسط الثراء، وكان يعمل في شراء الأبقار من العراق أو إيران، ثم ينتقل بها هو ورجاله مرحلة مرحلة حتى يصل إلى سوريا ولبنان، ليبيع ما لديه من الأبقار، ثم يشتري بثمنها أقمشة ومصنوعات أخرى، ويعود بها إلى العراق...
وكان الرجل مسلما ً حقا ً، قوّاما صوّاما ًً منفقا ً على الفقراء ً قائما ً بواجباته نحو ربه ونحو الناس، ورعا ً تقيّا ً نقيّا ً، ماله ليس له وحده، بل للمحتاجين من أقربائهِ وأهل بلدتهِ ولكل طالبٍ محتاج.
وفي إحدى سفراته بتجارته، وكان ذلك قبل الحرب العالمية الأولى (1914_1918) ، هطل ثلجٌ كبير، فسدّ الطرق، وقتل الأعشاب فماتت أبقاره عدا أربعة ٌ منها، فصرف رجاله، وأخذ ينتقل من مكان ٍ إلى آخر، وكان في نيته أن يصل إلى حَلب الشهباء، ليؤدي ما عليه من ديون هناكَ حسب طاقته، ويطلبُ تأجيلَ ما بقيَ عليه منها إلى العام القادم لأنّ تجارته في هذا العام لم تربح وأنّ مع العسر يسرا ً.
وفي مساء ِ ذات يوم وصل إلى قرية ٍ صغيرة في طريقه ِ من الموصل إلى حَلَب الشهباء، فطرقَ باب أحدِ بيوتها، فلمّا خرج إليه ربُّ الدار، أخبرهُ بأنه ضيف الله تبارك وتعالى، وأنه يريد أن يبيت ليلتهُ في داره، فإذا جاء الصباح سافرَ إلى قريةٍ أخرى.
ولم تكن حينذاك فنادقٌ يأوي إليها المسافرون، ولم تكن يومئذٍ مطاعمٌ يتناول الغرباء فيها طعامهم، لقد كان الغريب أو المسافر يطرق أيّ دار من دور المكان الذي يصلُ إليه، ثم يحلّ ضيفاً بين ظهران أهله ينامُ كما ينامون، ويتناولُ من طعامهم بدون أجر ٍ أو مقابل.
ورحّبَ صاحبُ الدار بضيفه، وأدخل أبقارهُ إلى صحنِ داره، وقدّم الطعام للضيف والعلف للأبقار.
كان صاحبُ البيت معدما ً، وكان قد أصابهُ ما أصاب الناس من هطول الثلج، فماتت مواشيه وتضرّر زرعه.
وكان متزوّجا ً وله ولدٌ واحد في العقد الثاني من عمره، وكان في داره غرفتان: غرفة يأوي إليها وزوجته، وغرفة يأوي إليها ولده.
واجتمعت العائلة حول الضيف الجديد، وابتدأ السمرُ شهيا ً طليا ً، عرف المضيفُ من خلالهِ أنّ ضيفهُ يحملُ مبلغا ً من المال...
وفي الهزيع الثاني من الليل، آوى المضيف مع زوجته إلى غرفتهما، آوى الضيف إلى غرفة ولد المضيف، فنام الولد على فراشهِ في الزاوية اليمنى من الغرفة، وآوى الضيف إلى فراشهِ في الزاوية اليسرى من الغرفة...
وبعد أن سال المضيف ضيفه عمّا إذا كان يحتاجُ إلى شيءٍ ما، واطمأنّ إلى راحته، وتأكد حتى من وجود الماء ِ لديه، غادر إلى غرفتهِ لينامَ هوَ أيضا ً.
وفي غرفتهِ همست لهُ زوجه: يا فلان! إلى متى نبقى في عوَز ٍ شديد؟ هذا الضيفُ غنيّ، ونحنُ بأشدّ الحاجة إلى مالهِ وأبقاره.
إننا مقبلون على مجاعة ٍ لا يستطيعُ الأغنياءَ أن يتغلبوا عليها إلا ّ بمشقّة ٍ بالغة، وسنموت نحن بدون ريب، إننا الآن نأكلُ يوما ً ونجوعُ أياما ً، فكيف بنا إذا حلت بالقرية المجاعة المترقبة ولا مالَ عندنا ولا طعام؟
" إن الفرصة سانحة اليوم، ولن تعودَ مرةً أخرى في يوم ٍ من الأيام! هلمّ إلى الضيف فاسلبهُ ماله، وخذ أبقاره، حتى تُبقي على حياتنا وحياة ابننا الوحيد".
قال لها الرجل: كيف وهو ضيفنا؟! كيف أسلبهُ مالهُ وأبقاره؟! كيف يَسمحُ لنا بسلبه؟! وقالت زوجه:" اقتله، ثم نرميهِ في حفرة ٍ قريبة في بطن هذا الوادي ومن يعرف بخبره؟ مَن!!!متناسية أنّ الواحد الجبار حيٌ لا ينام يعلم الغيب وما يخفى.
وتردّد الرجل، وألحت المرأة عليه، وكان الشيطان ثالثهما، فزيّن الشيطان للرجل قول امرأته، وألحّ هوَ أيضاً في الإقدام على قتل الضيف... ولكي تقطع المرأة على زوجها داءَ تردده، ولكي يقطعَ عليه الشيطان قالت المرأة لزوجها:" إن ماتفعله ضرورةً لإنقاذنا من الموت الأكيد، والضروراتُ تبيحُ المحظورات"!... تقدّم وافعلها... ألستَ برجل؟!!! واقتنع الرجلُ أخيرا ً، وعزمَ على قتلِ الضيف وسلب ِ ما لديه ِ من مال ٍ ومتاع.
كان الوقتُ في الثلثِ الأخير ِ من الليل، وكان كلُ شيءٍ هادئا ً ساكنا ً، وكانت الأنوارُ مُطفأة، ولم تكن أنوارُ المنازل في حينه ِ غير سُرُج ٍ توقد بالزيت، وقصدَ الرجلُ خنجره، وشحذه، ثم يمّم شطر غرفة الضيف والابن، ومن ورائهِ زوجَتهُ تشجعه...
ومشى رويدا ً رويدا ً، وعلى رؤوس أصابع ِ رجليه، واتجهَ نحوَ الزاوية اليسرى من الغرفة حيثُ يرقدُ الضيف، وتحسسَ جسمهُ حتى تلمس رقبته ثم ذبحهُ كما تذبح الشاة... وجاءت إلى الرجل ِ زوجه، وتعاونا على سحب الجثة الهامدة إلى خارج الغرفة حيث اكتشفا هناكَ أنهما ذبحا ابنهما الوحيد.
وشهَقَ الرجلُ شهقة ً عظيمة، وشهقت المرأة، فسقطا مغشيا ً عليهما، وعلى صوت الجلبة استيقظ َ الضيف، واستيقظ َ الجيران ليجدوا ابن الرجل قتيلا ً وليجدوا أمهُ وأباهُ مغشيا ً عليهما راقدين إلى جانبِ الجثة الهامدة على الأرض.
وسارع الضيف وسارع الجيران إلى الرجل ِ وامرأته ِ بالماء ِ البارد يرشونه ُ على وجهيهما، وسارعَ هؤلاء إلى تدليك جسدي الرجل ِ وامرأته، فلمّا أفاقا أخذا يبكيان بكاءً مرا ً، وطلبا إلى الجيران إبلاغ الحادث إلى الشرطة، فجاءت على عجل ٍ وألقت القبضَ على الجاني... وبعدها دفن الجيرانُ الولدَ القتيل... واستقرّ والدهُ في السجن. وغادرَ الضيفُ القرية وعينُ الله ترعاه.
|