آسف على الإزعاج".. نجاح مدوّي بين الكبار وخيبة أمل للصغار
لا تأسف يا حلمي على إزعاجك
"آسف على الإزعاج".. نجاح مدوّي بين الكبار وخيبة أمل للصغار
حاز أحدث أفلام الفنان الكوميدي أحمد حلمي "آسف على الإزعاج" على إعجاب جمهوره من الكبار، واجتاز به مرحلة جديدة من اختياراته الفنية بتقديمه في السينما للمريض بالفصام من خلال شخصية مهندس الطيران العبقري "حسن"، الذي دعا من خلاله المجتمع بالتخلّي عن نظرته الساخرة من المريض النفسي كما جرت العادة في العديد من الأفلام العربية، ولكن كان الخاسر الوحيد من الفيلم جمهور حلمي صغير السن، الذي خرج من دور العرض خائب الأمل لجرعته الكوميدية المتواضعة التي لم يعتادوا مشاهدتها في أعماله السابقة!!
وأشاد عدد من علماء النفس بإجادة كل من أحمد حلمي وأيمن بهجت قمر في التعبير عن المريض بالفصام والأعراض البادية عليه من مواجهته صعوبة في التمييز بين الواقع والخيال، والتفكير بشكل منطقي، والاستجابة العاطفية الطبيعية في المواقف الاجتماعية المختلفة، إذ سيرى المشاهد في النصف الأول من الفيلم اضطهاداً غير مبرَّر يتعرَّض له بطل الفيلم من كل كائن حي على وجه الأرض، ولكنه يكتشف في النصف الثاني أن كل هذا تهيؤات من صنعه.
وإلى جانب الاضطهاد الوهمي الذي يتعرَّض له "حسن"، فإنه أيضاً يعيش في غربة داخلية بين والده المتوفي من سنين واعتبره دائماً صديقه الوحيد، والفتاة التي التقاها بالكافيتيريا "فريدة"، وأنشأ بينه وبين صورتها الوهمية علاقة حب رابطها الوحيد المادة، فضلاً عن استخدامه لمنتجات أمريكية غير دارجة بشكل واسع في العالم العربي مثل أجهزة شركة ماكينتوش، وقيادته لدراجة هارلي دايفيدسون، وسلوكه المضطرب في الكثير من الأحيان مثل غسيل وجهه بسائل تنظيف الصحون، وارتداء ملابس كلاسيكية تلائم جده.
أحمد حلمي في مشهد مع حبيبته الوهمية منة شلبي
وكان من أطرف المؤشرات التي استخدمها صنَّاع الفيلم لتأكيد غربة البطل وللمرة الأولى في السينما المصرية، إدراجاً لأغنية أجنبية في مشهد ذهابه لعمله في جراج الطائرات، وكأن المشاهد أمام أحد الأفلام الأمريكية التي تتناول عالم الطيران مثل توم كروز في فيلمه الشهير Top Gun عام 1986م، أو جيسيكا بيل وجوش لوكاس وجايمي فوكس في Stealth 2005م!
ورغم اعتبار العديدين أن مراسلة "حسن" لرئيس الجمهورية مقحمة وليس لها أي مبرر درامي، إلاَّ أنها جاءت كتجسيدٍ ساخر للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبرز ذلك في مشهد ذهابه لقصر رئيس الجمهورية في زيارة ودية بعد أن ورده اتصال هاتفي وهمي بتبنّي الحكومة لاختراعه الذي سيوفر على الدولة ملايين الجنيهات، ولكنه تلقَّى في المقابل استقبالاً فاتراً من أحد المسؤولين العاملين هناك، مع تأكيد رغبته له بعدم رؤيته مجدداً، بعد إجراء تفتيش ذاتي له، ومحاصرة عشرات الجنود له بأسلحتهم الرشاشة متأهبين لأمر إطلاق الرصاص!
لا خلاف على محمود حميدة في تجسيده لدور والد البطل "صلاح" الذي يضيف لرصيده السينمائي الثري، وثاني مجازفاته بعد تجسيده لميت في إنتاجه "جنة الشياطين" عام 2000م طيلة أحداثه، ودلال عبد العزيز التي عرفت الإمساك جيداً بخيوط شخصية "نوال" الأم الحنون لإبن مصاب بالفصام، ومساندتها له وقت صدمته بوفاة والده، واستطاعت منَّة شلبي أن تجتاز تحدٍ جديداً بلعبها لـ"فريدة" حبيبة البطل الوهمية التي ليس لديها أي خلفية تاريخية، أما محمد شرف الذي عرفناه في بداية مشواره بشخصية البلطجي "سامبو" في مسلسل "أرابيسك" فقد قدَّم أداءً بارعاً لشخصية "يا" التي تمثل مواطنين عديدين فاتهم قطار العمل، والزواج، وأصبح المقهى هو ملاذهم الوحيد لتدارك آلامهم، ولا يملكون ثمن شراء ضروريات في حياتهم مثل نظارة جديدة.
محمود حميدة ومنة شلبي ودلال عبد العزيز تألقوا جميعاً في أدوارهم بالفيلم
بعيداً عن الجدل النقدي حول اقتباس "آسف على الإزعاج" من الأفلام العالميةA Beautiful Mind عام 2001م، وSixth Sense عام 1996م، إلاَّ أن بطله أحمد حلمي استطاع من خلاله أن يقدَّم كوميديا حافلة بالمشاعر الإنسانية، اعتلى بها قمة إيرادات شباك التذاكر لموسم صيف 2008، محققاً مليون جنيه يومياً منذ بدء عرضه في يوليو الماضي، وأكسبته أرضاً جديدة في ساحة الكوميديا الهادفة نأمل أن يستثمرها جيداً خلال السنوات القادمة وسط كوميديا مبتذلة معتمدة على إفيهات مستهلكة الضحك والإضحاك، والتواءات جسدية! كما كشف بشكل واضح عن قدرات ممثلينا الهائلة في ظل وجود نص جيد.