فاطمة لا تملك ملابس وحذاء للمدرسة وزينب معوقة ويائسة وخائفة ... أسرة «أبو فريج» ... يعيشون في غرفة واحدة وسط طفح «المجاري» والجرذان
الرياض - فيصل المخلفي الحياة - 09/07/08//
يدخل الفقر إلى المنزل فيكون الحزن. يحل الجوع فتبدأ آلام البطون وتذرف العيون الدموع. يبلغ الأمر مداه، فتسيطر الأمراض ويكون الجهل عنواناً دائماً للأسرة، فبأي وسيلة يعبّر الإنسان. ما بالكم إن كانت كل تلك الظروف تشارك أسرة سعودية منزلها أو ما يسمى بـ«منزلها»؟
«ما عاد أقدر على الصبر، لولا إيماني بالله لكنت في وضع آخر أسوأ مما تشاهدونه». بهذه الكلمات المرة بدأ أبو فريج سرد مأساته ومأساة أسرته، مؤكداً أنه لم يعد يكترث لحاله، «أشوف عيالي وحالهم ولا أملك إلا البكاء، ولا أجد مكاناً أبكي فيه سوى الشارع».
هي أسرة سعودية تتكون من 12 فرداً، تعيش في بيت شعبي متهالك، غير صالح للسكن الآدمي، تعبث فيه الحشرات والصراصير والجرذان، ولا تتجاوز مساحته 50 متراً مربعاً.
لا يملك رب الأسرة أي مصدر دخل يستطيع من خلاله سد أفواه صغاره. ويقول أبو فريج: «كنت أعمل حارس أمن في مركز الملك فهد الثقافي براتب قدره 1500 ريال، ولكن لصعوبة المواصلات تركت العمل، فالراتب يذهب لإيجار السيارات»، مضيفاً: «لا نجد قوت يومنا إلا بشق الأنفس، وإذا وجدنا الإفطار لا نجد الغداء، ونبيت الليل بلا أكل وأحياناً تتصدق علينا عائلة من الجنسية اليمنية من جيراننا ببقية أكلهم، وأحياناً يمر علينا يوم كامل لا نجد ما نأكله».
ويستطرد وهو يغالب دموعه: «نسكن في غرفة واحدة تحت مكيف واحد تصدق به أحد المحسنين، وعندما هطلت الأمطار في إحدى السنوات على الرياض لم نجد حلاً سوى اللجوء إلى المسجد مع أبنائنا حتى لا ينهار علينا المنزل».
بينما كان أبو فرج يتحدث لـ «الحياة»، كانت فاطمة ذات الأعوام العشرة تختلس النظر من خلف الباب. وجه بريء لكنه مليء بالأسى، جسد نحيل يرتعش، عينان أخفى الجوع والألم بريقهما، تشعر في صوتها بالحزن وتلمس في يدها قصة سنوات من الكآبة.
ظلت فاطمة صامتة برهة من الزمن. ليس خجلاً، إنه الخوف، لكنها لا تعلم مم تخاف. أخيراً نطقت : «أبغى أروح للمدرسة، بس ما عندي ملابس ولا جزمة»، ثم بكت وهربت.
ترى هل أمنية الذهاب إلى المدرسة هي فقط للهروب من منزل يخلو من كل جميل ويمتلئ بالحزن والبؤس؟ يجيب أبو فريج: «تبكي فاطمة من الجوع فأبكي من بكائها»، موضحاً أنه منذ أمد بعيد لم يشاهدها وهي تبتسم. زينب الابنة الكبرى عمرها (18 عاماً)، معوقة لا تتعدى مكانها، لا تقرأ ولا تكتب. تصف زينب معاناتها: «أخاف الموت وأنا لا أعرف قراءة القرآن الكريم ولا أحفظ منه شيئاً»، مستدركة: «أوضاع الأسرة أعاقت علاجي، ولم أعد أتوقع حياة سعيدة».
مذ دلفنا إلى منزل أبو فريج فوجئنا برائحة المجاري التي لم نستطع تحملها، وكنا نتوقع أنه تسرّب في دورة مياه أو طفح بالقرب من الباب، إلا أن استمرار الرائحة أجبرنا على سؤال رب الأسرة عنها، وكانت المفاجأة المدوية عندما قال: «المجاري تطفح وسط المنزل، ونعلم أن ذلك تسبب في مرض بعض أبنائي وبناتي، ولكن هذا الوضع أفضل من النوم في الشارع». كان منظر مياه المجاري وتجول الجرذان في غرف المنزل يثير الأسى في النفس، وهذا ما عبّر عنه إمام مسجد الدفاع المدني في الحائر سحمي السبيعي، الذي أكد أن منزل أسرة أبو فريج لا يصلح للعيش الآدمي بتاتاً ويفتقر إلى مقومات السكن الآمن»، مضيفاً: «عند دخولك هذا المكان يخيل إليك أنك في مكان مهجور منذ سنين».
ويؤكد السبيعي أن عائلة أبو فريج اجتمعت عليها مصائب الفقر والجهل والمرض، موضحاً أنهم في حاجة ماسة إلى من ينتشلهم من هذا المنزل الذي بات يشكل تهديداً ليس على صحتهم وحسب، بل على حياتهم أيضاً.
ويوجّه أبو فريج في ختام حديثه لـ «الحياة» نداء لفاعلي الخير في هذا البلد المعطاء، «لا أريد شيئاً لي، لكني خائف وقلق على أبنائي وأفراد أسرتي، حتى أنهم لم يتعلموا ولا يستطيعون إيجاد لقمة العيش في ظل ما نواجهه من ظروف عجزت عن التغلب عليها».
http://ksa.daralhayat.com/complaints...c2d/story.html