((أطفال الرصاص ام أطفال الحلوى)) بقلــــــمي
قف مكانك! سلم سلاحك! إرفع يديك .. واستدر.. أي حركة سأطلق عليك النار!))
وقفت.. شعرت بالخوفِ.. لكن الذي طمأنني إن الصوت القادم هو صوت طفولي.. استجمعت قواي واستدرت ببطء.. أخذني الشوق كي أعرف ما يخفيه لي القدر! .. قدماي تدوران ببطء شديد مع عقارب الساعة ويداي ترتفعان كأنني إنسان آلي.. ضحكت .. عادت لي الروح.. لم أصدق أبداً.. طفل يمازحني! يحمل بندقية للعب.. ثار غضبه حينما ضحكت راح يضغط زناد بندقيته يصرخ ((الموت لك)).. هرب.. يركض ويلتفت نحوي بين لحظة وأخرى.. بقيت واقفا .. مستغرباً.. سرت سارحاً مبتسماً تاركاً ذلك الموقف حتى صادفني مشهدا آخر .. تصورت نفسي أنني في ((هوليود للتصوير)) أطفال يزحفون بأجسادهم وكأنهم بساحة معركة وآخرون يربطون صبياً بحبل غليظ وهو يصرخ من شدة الألم.. تساءلت مع نفسي: ما هذا؟.. ما الذي يحدث؟ أأنا أشهد ثورة للجيل الجديد؟..
لم أتحمل ذلك المشهد العنفواني.. صرخت بهم .. اهربوا .. اقتربت من الصبي .. عيناه العسليتان وبياض نوره مثل ضوء الشمس وعيناه تدمع .. يرتجف .. فككت قيده ومسحت تلك الدموع البريئة.. سألته:
-ما اسمك يا جميل؟
-(خائفاً) الحروف أراها تقفز بصعوبة من لسانه أ أ أ أح ح ح مد
-يا أحمد لماذا قيدك هؤلاء الأطفال ؟
-إنهم العدو!
ابتسمت له لكن لم تكن جميلة كابتسامته التي بادلني إياها
-أي عدو أنت تتكلم عنه؟ هم أصدقاؤك صحيح؟ لا تلعب معهم بعد الآن هذه اللعبة العنيفة
-هم ليسوا بأصدقائي إنهم أعداء شارعنا فقد احتلوا ساحة كرة القدم التي نلعب بها.. وسيطروا على نصف الشارع والحمد لله أنت خلصتني منهم ! لولاك لكنت أسيراً بأيديهم..
لم استوعب كلامه! دفعني الفضول أكثر كي أعرف مغزى كلامه هذا .. دعوته لأن نتمشى سوياً كي أوصله لبيته وأؤمن له الطريق خشية أن يكيد أعداؤه له كيداً.. مشينا، وتحدثنا:
- أحمد، ماذا تسمون هذه اللعب ؟
-إنها الحرب يا صديقي !
-لعبة الحرب؟
-نعم.. نحن نشتري أسلحة من السوق إضافة إلى الهدايا التي يقدموها لنا أهلنا في العيد
-وما الذي يقدمونه لكم؟
-يشترون لنا أسلحة
سكت.. لم أجد أي كلمة أنطقها، فما سمعته من ذلك الصبي يجعلني أدور في دوامة
ما هي إلا لحظات وبادرني بالكلام:
-لماذا تسكت ؟ أنت زعلان علي لأنني ألعب هذه اللعبة؟ لكن لسنا الوحيدين الذين نلعبها؟
-ومن يلعبها بعد يا أحمد
-يلعبها العالم أجمعه! أمريكا تلعب مع العراق وإسرائيل تلعب هنالك بفلسطين ولبنان!!
وقفت! لم أتكلم!
-الآن وصلت يا صديقي هذا بيتنا .. تشرفت بمعرفتك.
ودعني فرحاً بحريته التي منحتها له .. وودعته بحزنٍ .. تركني أفكر ما يحدث لأطفالنا هذا اليوم.. بدل ما يطلبون الحلوى كما كنت في الماضي أطلبها من والدي كل عيد .. و اليوم أطفالنا يطلبون السلاح هدايا لأعيادهم.. هذا ما يحدث في بلدي .. ولا أعرف ما يحدث غداً .. أستسمحكم عذرا علي أن أعود لعملي قبل أن يفصلوني لأننا في عولمة الحرب.