السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تزايد في الفترة الأخيرة في مصر الحديث عن استعادة أو استعارة القطع الأثرية الموجودة بالمتاحف العالمية، والتي خرجت إما في غيبة الوعي الأثري بالتهريب، أو بالإهداءات التي أهداها كبار المسؤولين على مدى قرنين من الزمان.
وشهدت فترة حكم الأسرة العلوية ذاتها العديد من الإهداءات، حتى انه يتردد عبر إحصاءات رسمية أن بالخارج المصري قرابة 12 مليون قطعة أثرية موجودة في كبرى المتاحف العالمية، للدرجة التي جعلتها تلجأ إلى تخصيص قسم سمته “الآثار المصرية”، كما هو الحال في متاحف اللوفر، برلين، البريطاني.
القاهرة طه عبد الرحمن:
على الرغم من الآثار الموجودة في الخارج، إلا أن مصر استطاعت استعادة آلاف القطع الأثرية، إما عن طريق الاتصالات الدبلوماسية، أو الإجراءات القضائية.
ومؤخرا امتدت حملة استعادة واستعارة القطع الأثرية إلى ساحات البرلمان، للمطالبة باتخاذ إجراءات ضد دور المزادات التي تضم آثارا مصرية سواء كانت مسروقة، أو المتاحف التي تقتني الآثار المصرية، الأمر الذي جعل أعضاء البرلمان يطالبون بقطع العلاقات العلمية مع الدول والمتاحف التي ترفض التعاون مع مصر في هذا الأمر.
وفي هذا السياق بدأ المجلس الأعلى للآثار إجراءات سياسية ودبلوماسية لاستعارة رأس نفرتيتي بعد الرفض الرسمي على لسان وزير ثقافة ألمانيا بعدم إعارة التمثال مصر.
وأمام رغبة مسؤولي مجلس الآثار في أن تكون هناك جهودا دبلوماسية لاستعارة القطع الأثرية المهمة، أصبح في حكم المؤكد أن لهجة التهديد التي سبق أن رفعها المسؤولون لن تكون هي الورقة الوحيدة لاستعادة مثل القطع الأثرية النادرة.
وتنوي الجهة الرسمية الاستفادة من البعثات الأثرية الأجنبية والأثريين المحبين للآثار ولعلم المصريات في دول العالم للتكاتف مع المطلب المصري ودعمه، حيث لا يتوقف الحال فقط عند رأس تمثال نفرتيتي، إذ أصبح الأمر يتعداه إلى المطالبة باستعارة عدد آخر من القطع الأثرية المهمة المعروضة في بعض المتاحف العالمية.
قطع نادرة: وفي ضوء الإجراءات المنتظرة، فإنها تعكس اللجوء إلى الطرق السياسية، بعيدا عن التصريحات الانفعالية، كما يصفها بعض الأثريين، واستخدام الطرق الدبلوماسية لاستعارة حجر رشيد الذي كان مفتاح العالم الفرنسي شامبليون لحل ألغاز اللغة الهيروغليفية في مطلع القرن التاسع عشر والموجود في المتحف البريطاني، بجانب القبة السماوية “الزودياك” والموجودة في متحف اللوفر بباريس، وتمثل أحد سقوف معبد “دندرة” وصور عليها السماء وحركة النجوم والشمس وتم تشييدها في العصر “البطلمي”.
ويضم المطلب المصري أيضا استعارة تمثال لمهندس الهرم الأكبر “هرم خوفو” وآخر لمهندس الهرم الثاني “هرم خفرع” ويدعى المهندس “عنخ خاف” والموجود في متحف “المتروبوليتان” بأمريكا، وتأتي هذه المطالبات في ظل جملة من الانتقادات التي تعرضت لها مصر في بعض الصحف الأجنبية اعتراضا على مطالبات مصر، في الوقت الذي تنوي فيه مصر اتخاذ إجراءات أخرى مع الدول ذات التراث الحضاري للتضامن مع مصر لإعداد قائمة عالمية بالآثار الفريدة التي يجب إعادتها لأوطانها من بين مئات الآثار الأخرى التي خرجت بطرق غير شرعية وخلال مراحل تاريخية كانت مباحة فيها سرقة ونهب هذا التراث.
وفي هذا الإطار فإن هناك آلاف القطع الأثرية المعروضة في المتاحف الأوروبية والأمريكية لم تطالب مصر بعودتها، واكتفت ببعض القطع، وهو ما يفسره المسؤولون بأنه إذا كانت هذه الآثار لها أهمية فإن ذلك لن يمنع مصر من المطالبة باستعادتها أو استعارتها، باعتبارها تمثل أهمية خاصة للتراث المصري وأنه لا يعقل أن تظل خارج الحدود.
وتسعى مصر لاستقطاب دول صاحبة حضارات مثل الصين واليونان وإيطاليا وفلسطين والعراق وسوريا والهند وغيرها لوضع قائمة بالآثار النادرة التي خرجت من هذه البلاد، وتم اقتناؤها من قبل دول أخرى قبل توقيع اتفاقية اليونيسكو للعام ،1972 التي حرمت على الدول المطالبة بآثارها التي خرجت منها قبل هذا العام.
ويقول د. زاهي حواس، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إننا نسعى إذا نجحنا في هذا الاتفاق مع الدول بشكل جماعي إلى استرجاع الآثار النادرة المفقودة التي خرجت في فترة تاريخية لم يكن الناس يدركون فيها قيمة هذه الآثار ومرجعيتها التاريخية. ويضيف أنه خلال أربع سنوات استعادت مصر قرابة ألفي قطعة أثرية من الخارج كان قد تم تهريبها بعد سرقتها، في الوقت الذي تجري فيه جهود أخرى لإرجاع عشرات أخرى من الخارج، ومن أبرز القطع التي استردتها مصر من الخارج تلك التي تم تهريبها إلى سويسرا قبل ثلاثة أعوام تقريبا بمعرفة شبكة من بعض رجال الأعمال المصريين وعدد من تجار الآثار العالميين، إلى أن أسدل القضاء الستار على القضية وكان من نصيب مرتكبيها إدانات بالسجن والغرامة.
ودائما ما تحاول تحقيقات نيابة الأموال العامة في قضايا تهريب الآثار الكشف عن العديد من الأسرار والإجابة عن تساؤلات عديدة مثل: كيف تتم سرقة هذه الآثار؟ وكيف تخرج من مصر؟ وأين ذهبت؟ وكيف يتم التصرف فيها بالخارج؟
نماذج للتهريب: وعلى الرغم مما استعادته مصر، إلا أن هناك آلاف القطع الأثرية التي لا تزال مفقودة، خاصة إذا علم أن بعضها من القطع التي تم تهريبها للخارج، حتى أن بعض المتاحف العالمية أصبحت تقتنيها ومعها دور المزادات.
وفي الوقت نفسه فإن هناك آلاف القطع الأثرية المفقودة عجزت الأجهزة المعنية عن تحديد أماكن تواجدها، وغالبا ما تتم عمليات السرقة والتهريب في داخل شاحنات كبيرة، حيث يتم وضع القطع الأثرية في جيوب سرية، ففي المتحف المصري وقبل أكثر من عام استطاع أحد العاملين في شركة تطوير المتحف إخفاء قطع أثرية داخل “جوال” وتمكن من الخروج بها، دون تفتيش بالرغم من الإجراءات الأمنية المشددة في المتحف وخارجه وفي محيطه.
وعلى مدى قرنين من الزمان فإن هناك آلافا من القطع الأثرية خرجت من مصر إما من خلال البعثات الأجنبية أو عن طريق الإهداءات التي قدمها محمد علي وأسرته، إلى أن صدر القانون رقم 117 لحماية الآثار لسنة ،1983 وحسم وقتها فوضى التنقيب وعشوائية بيع الآثار، ومعها الإهداءات بعد أن كانت تخرج بطرق شرعية، وبعد أن كان أيضا مسموحا ببيعها في جميع المتاحف المصرية لدرجة دفعت القائمين على أمر الآثار إلى تخصيص قاعة بالمتحف المصري بالتحرير لبيع القطع الأثرية إلى أن أوقف القانون ذلك.
ومن الإجراءات التي يتبعها المجلس في حال تورط أية بعثة أثرية يثبت ضلوعها في عمليات تهريب أو سرقة، فإنه يتم إيقاف التعامل مع أية بعثة أو عالم آثار يثبت تورطه، أو أن له علاقة مع عصابات تهريب الآثار سواء بمصر أو بالخارج، وهو الأمر الذي كان له صدى كبير في استعادة آلاف القطع الأثرية من مختلف دول العالم خلال السنوات الأربع الماضية.
كومبيوتر
