أرضعي صغارك.. يا وزارة التربية والتعليم
أستغرب كثيرا ـ حتى الآن ـ تأخر وزارة التربية والتعليم عن إصدار قرار يفيد بإعطاء الحق في ساعة اختيارية مقتطعة يوميا من دوام منسوباتها من المعلمات والمشرفات وغيرهن ممن هن أمهات مرضعات؛ تُمكنهن من الذهاب إلى منازلهن وأداء واجب الأمومة تجاه أطفالهن الرُضع، فليس من المعقول أن بعض دول العالم الثالث كالسودان مثلا تعطي الموظفات في مختلف الأجهزة الحكومية هذا الحق، فيما وزارة التربية والتعليم لدينا والتي تعلن دائما اهتمامها بالنشء، ولطالما رددت في شعاراتها أن "العقل السليم في الجسم السليم" وتتغاضى عن أهمية وحيوية إصدار مثل هذا القرار وتطبيقه أولا ومطالبة بقية الأجهزة الحكومية به، لكونه يصب في صالح صغارها ممن ستستقبلهم بعد ست سنوات من الولادة لينضموا لحجرها .
وتأتي أهمية هذا القرار وحيويته بشكل خاص بعد أن تمّ تقليص و(عصر) إجازة الأمومة من شهرين كاملين إلى أربعين يوما فقط؛ تعود بعدها الأم العاملة المرضعة إلى العمل تاركة وليدها في أيامه الأربعين بين يدي خادمة أو في حضانة ما، ليُحرم من الرضاعة الطبيعية (المغذية) خلال دوامها الصباحي والذي قد يستمر أكثر من سبع ساعات تقريبا، وكما هو معروف فإن حاجة الرضيع لحليب الأم عادة ما تكون كل ثلاث إلى أربع ساعات يوميا، ولهذا تضطر الأمهات العاملات إلى الحليب الصناعي والذي لا يوجد فيه نصف القيمة الغذائية التي تتوفر في حليب الأم الطبيعي، بل في كثير من الحالات تضطر الكثيرات منهن إلى فطم صغارهن في الأشهر الأولى، وهو فيه من الضرر ما يؤثر على النمو العقلي والجسدي للأطفال كما يخبرنا الأطباء والمتخصصون دائما.
صحيح أنه قد وضع نظام الإجازات للأمهات المرضعات حق الحصول على إجازة رعاية مولود تمتد ثلاث سنوات خلال سبع سنوات من الولادة، لكن هذه الإجازة كما هو معروف تؤدي إلى (تخسيس) الراتب الشهري الخاص بها إلى الربع فقط، وتصيبه بـ(الهزال)، ولهذا فإن كثيرات يضطررن إلى عدم أخذها كونهن لا يستطعن المخاطرة بترك ثلاثة أرباع راتبهن، خاصة ونحن (نحترق) بأزمة الغلاء المعيشي الذي نعاني منه، بجانب (جحيم) القروض البنكية التي تورطت فيها الكثيرات منهن.
ولهذا ينبغي لوزارة التربية والتعليم أن ترضع صغارها من خلال إصدار هذا القرار الحيوي، الذي يعتمد عليه بناء أجساد صحية لأجيال قادمة ستتولى الوزارة بعد ذلك رعاية عقولهم، فكيف سيكون حال هذه العقول وقد أهمل حقها الطبيعي الذي خصه الله تعالى بقيمة غذائية لا يضاهيها ما يُستحلب في مصانع حليب الأطفال، وحقيقة لا أعلم سبب إهمال الوزارة لهذا القرار؟! فهل من المعقول أن ذلك يعود إلى أنها لا تثق في الأمهات من معلماتها ومنسوباتها، فتمنعهن من الخروج خلال الدوام المدرسي ـ حتى اللاتي يسكنّ على بعد خطوتين من المدرسة ـ ولا تسمح لهن بساعة مقتطعة اختيارية تقتطع من فراغهن في جدول الحصص أو من آخر الدوام أو من بدايته، ليمارسن فيها واجبا إنسانيا لا غنى عنه! فإن كانت هؤلاء العاملات تحت مظلتها لا يستحققن هذه الثقة؛ فكيف إذن تثق بوضع بناتنا بين أيديهن وتعهد بعقولهن وتربيتهن لهن!
|