ما معنى النقد و ما هو الفن ؟؟؟
أود في أول حديثي أن أوضح بعض الأمور وهي أنني لست بكاتب ولا بناقد حاصل على شهادات عالمية في هذا المجال ولا أفرض كلامي ولا أفسره على اساس أنه الصحيح و إن هذا الكلام هو القاعدة الأساسية للفن و النقد سواء كان فني أو فلسفي أو أدبي بل هي مجموعة من الآراء و القراءات البسيطة التي أتمتع بها من حين إلى آخر لأثري بها معلوماتي و أن أصل بها إلى حد مناسب في مجال النقد و اساليبه معناه من الأساس ، و أكمل فيها مسيرتي الفنية البسيطة و التي تعتبر هوايتي التي أحبها وأنفس بها عن ضغط الحياة المدنية الروتنية.
ولكن كيف يكون النقد ؟ و من هو الناقد ؟ و كيف يجب على الناقد ان يثري نفسه ؟ وأن يكون فوق الشبهات ، وأن يوجه النقد البناء الايجابي البعيد عن النقد ذو الكلمات الغير موزونة والجارحة و المؤذية لعقل القارئ و متلقي النقد .
وهذا رأي شخصي أود ان أشارككم فيه و أن أناقش هذا الموضوع على الصفحات العامة لنصل إلى نتيجة و اسلوب معقول وأن ننتفع من بعض و تكون لدينا خبر’ أو لنقول خلفية مناسبة لنتأكد إن نقدنا في الاتجاه الصحيح ، وطبعا الاختلاف في الرأي لا يفسد من الود قضية وهذه الآراء ليست معتقدات راسخة أو أساسية لا تقبل التغيير إنما هي وجهة نظر تحتمل الخطأ و الصواب.
ودائما ما أقول بأن فن التصوير الضوئي هو الرفيق المشروع للفنون التشكيليه وهذا هو منطلقي من بدايتي في التصوير الضوئي وقد يتذكر استاذي حسين الجابر عندما قلت له إني أود أن أصل لنقطة أكون قد استطعت أن أدمج بين الفن التشكيلي و التصوير الضوئي.
لا يخفى عليكم بأني صدمت عندما بدأت أقرأ عن مواضيع النقد في الفن الحديث و كيف كان هذا العلم المسمى بالنقد متشعب و ذو أبواب كثيرة ولكن حاولت أن أركز على موضوع الفن ومفاهيم المصطلحات التي تستعمل فيه للنقد ، و كثيرة هي المفاهيم و الكلمات التي نتداولها و لكننا في الواقع نجهل حقيقة ومعاني هذه المفاهيم أو نجهل ضوابطها و حدودها ، و إحدى هذه المفاهيم النقد والفن ، فما هو معنى النقد ؟ و ما هي ضوابطه وقواعده ؟
النقد في اللغة العربية يعني إظهار الجودة و العيب في الشيء الذي أمامك إن كان كتابا أو لوحة فنية أو قطعة موسيقية و عادة يترافق النقد مع التركيز على السلبيات و المساوئ التي في الشيء وسؤال صاحب العمل عن جدوى وجود هذه الاشياء في العمل ، فالناقد عندما يقرأ على سبيل المثال جملة " الوضع العام التي تعيشه المجتمعات العربية متخلف" لا يقرأها معتقدا أنها صحيحة معصومة من الخطأ ولا يمكن النقاش فيها ، بل يطرح أسئلة كثيرة على هذه الجملة : لماذا الوضع العام متخلف ؟ ما هو التخلف ؟ هل الجملة تساعد الكاتب إلى بلوغه الهدف ؟ ألا يستطيع الكاتب القيام بصياغة أفضل للجملة ! و غيرها من الأسئلة التي تقسم ما هو موجود أمام الناقد من حيث المضمون و الشكل و المعنى للعمل أو الجملة.
فالنقد بناء على ذلك وسيلة لإثارة العقل و تحريك الأفكار عبر مواجهتها بالأسئلة و الإشكالات و هذا ما يجعل النقد إيجابياً ، و كما أن الوصول إلى قمة النجاح صعب و يتطلب تجاوز الصعاب و المشاق فكذلك الفكرة التي يجب أن تجتاز الشبهات و الإشكالات و الأسئلة التي يطرحها الناقد من أجل أن تكون أكثر نضجا و قوة ، فالأفكار تمر دائما باختبارين كفيلان بكشف أوجه الضعف و القوة فيها ، الاختبار الأول و هو الاختبار النظري المتمثل بالنقد ، و الاختبار الثاني وهو الإختبار العملي و الذي يتم فيه تطبيق الفكرة على أرض الواقع ، و الفكرة القوية و الناضجة هي الفكرة القادرة على تجاوز هذين الاختبارين.
وعندما سئل الناقد الليبي "محمد عبد الله الترهوني" ( ناقد أدبي ) عن كيف يكون النقد؟ وما هي الأدوات التي يجب أن يتسلح بها الناقد اليوم في بلادنا العربية قال : لا اعتقد أن باستطاعتي الإجابة عن الشق الأول من السؤال "كيف يكون النقد"، ولكن ربما الإجابة عن الشق الثاني من السؤال تكون إضاءة على ( كيف يكون النقد ) ، فلقد أدى الاشتغال في حقل التنظير الأدبي إلى دخول الكثير من الأدوات المنهجية، والمصطلحات، والمفاهيم، بل وكتابات علوم أخرى إلى مجال النقد، فأصبح الناقد معنياً بالأنثروبولوجيا، تاريخ الفن، علم الجنوسة، السياسة، الفلسفة، علم اللغة، التحليل النفسي، علم الاجتماع، التاريخ وغيرها، مما أدى إلى وجود نظرية تدرس الخطاب المنطوق والمكتوب، وتدرس العلاقة بين المعنى، الكتابة، التجربة، فعل الكتابة، فعل التأويل. هذا جعل النقد يبدو جاهزاً لتحليل كل خطاب جاهز ليكون الأكثر قدرة علي مقاومة ممارسة اللغة سلطتها في كل خطاب، وكشف النقد عن نفسه كمغامرة غير معروفة النتائج في كل نص، إعادة لخلق الفكرة في تفككها وتشتتها، التوسط بين التلاشي والحضور بعد احتجاب، إنه في نهاية الأمر فهم لحركة المد والجزر بين السواد والبياض على سطح الورقة.
وشغلت النظرية النقدية والتي تعد واحدة من أهم المسائل الفكرية منذ مائتي سنة وحتى اليوم الفلاسفة منذ ( ايمانويل كانتْ ) وحتى ( ميشيل فوكو )، ( وليفي ستروس) ، وغيرهم كثير. ويمكننا القول أن كل الفلسفة الحديثة هي فلسفة نقدية. والواقع أن تقدّم الغرب على الآخرين يعود إلى تبنِّيه هذه المنهجية النقدية التي لا تؤمن بصحة أي شيء ولا أي عقيدة أو فكرة إلاّ بعد أن توضع على محك الغربلة ، والنقد والتمحيص .
وهناك من الفلاسفة من نقد معلميه و تطور بالفلسفة المعاصرة بأسلوب النقد الإيجابي و التحليل الصحيح و القائم على توضيح كل شيء وأذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر ( جورج فيلهلم هيغل ) ، فهو من الذين أتبعوا الفلسفة النقدية ومن تلامذة ( ايمانويل كانتْ ) في البداية. ولكنه ككل تلميذ عبقري خرج على أستاذه وانتقده ، وأدّى ذلك إلى توسيع دائرة الفلسفة النقدية لكي تشمل مجالات أخرى غابت عن ذهن( كانتْ )، وهذا ما أدى إلى الحرية التي يتغنى بها الغرب دائما وهو من قال ( إن الحرية تعني تحقّق الروح/العقل في التاريخ أو تحقيق الإنسان لذاته في المجتمع وعلى هذه الأرض ).
وبعد هذه المقدمة عن جزء بسيط جدا عن مفاهيم و تاريخ النقد مع الانسانية أود ان اذكر بعض المفاهيم و التعابير التي تندرج في النقد الفني وتستعمل بشكل كبير فيه هذا النوع وهو الذي نمارسه و نراه و يوجه لنا جميعا في هذا المنتدى الفني وفي رأي الشخصي أنه يجب فهم الفن و فلسفة الفن وخاصة الفنون التي نمارسها لنستطيع أن ننقد عمل ما أو مجهود شخص ما.
فعِبْر مسيرة الفنِّ الطويلة والمتشعِّبة، لم يتوقف التساؤلُ حول «ماهية الفن» عن طرح نفسه، واستمرتْ حتى يومنا هذا – دون جدوى – محاولاتُ إيجاد تعريفٍ متَّفَقٍ عليه للفن، حيث وُضِعَتْ للفنِّ تعريفات متنوعة ومختلفة، بل ومتناقضة، مثل: «الفن متعة لذيذة» (كانط)؛ «الفن مملكة الرائع» (هيغل)؛ «الفن مملكة الوهم الجميل» (شيللر)؛ «الفن حدس» (كروتشه)؛ «الفن رؤيا»؛ «الفن أسلوب حياة»؛ إلخ.
لكني، في حديثي هذا، سوف أخرق القاعدة، ولن أحاول الاختيار أو التوفيق بين مختلف هذه التعريفات؛ كما إني بطبيعة الحال، لن أقدِّم تعريفي الخاص للفنِّ، وذلك لاعتقادي بأن الفنَّ عصيٌّ على التعريف، لا تحيط به العبارة، تمامًا مثل الحياة والموت والحرية والحب والجمال... فالفن ليس شيئًا محددًا يمكن الإشارة إليه والقول: «هذا هو الفن». لذا سوف أحاول مناقشة بعض الأفكار والمفاهيم عن فن التصوير الفوتوغرافي و التشكيلي تحديدًا؛ فربما، بهذه الطريقة، نتمكن من تفكيك بعضها للوصول إلى أقرب تصور ممكن لماهية الفن.
كثيرًا ما رُبِطَ الفنُّ بالوحي والإلهام والرؤيا والحدس والإبداع و... الروح؛ الأمر الذي طَرَدَ الفنَّ إلى خارج العالم والواقع والطبيعة، ورَفَعَه فوق فضاءات الفكر والعقل والإدراك، بحيث بات أقرب إلى اللاهوت والمسائل الغيبية، مما أفسح المجال لقول أيِّ شيء غير مفهوم أو بلا معنى عن المفاهيم الفنية المتنوعة. ونعثر على مقولات كهذه لدى المثاليين الذين يستخدمون لغة «صوفية» أقرب إلى اللغو، على الرغم من ترفُّعها وتعاليها الظاهري، وكذلك لدى الماديين الذين يتطرف بعضُهم إلى درجة إلغاء الواقع والطبيعة لصالح فنٍّ ما أسمى من الواقع والطبيعة.
فبنديتو كروتشه (المثالي الذاتي)، مثلاً، يرى أن الظواهر المادية غير حقيقية، وأن الفكر هو الواقع الوحيد، ليُطابِقَ بين الروح والحدس والشعور في تعريفه للفن، وليبرهن، بالتالي، على تعالي الفنِّ عن الواقع ومفارقته له، بل ليصل إلى نفي الواقع المحسوس، ربما نكايةً بالماديين، قائلاً بأن الفنَّ هو الواقع وبأن الفنان « ينتج ما يشعر به»: ما على الناقد الفني إلا أن يستعيد شعور الفنان ليتمكن من الولوج إلى عمق إبداعه. لكن كروتشه يعجز عن إفهامنا معنى كلمة «الحدس»، التي كانت «موضة» عصره، فيُطابِق بينها وبين «الروح» و«الخيال» و«التصور» و«التعبير» و«التأمل»، ليقول لنا، في النهاية، إن «الحدس هو الحدس»، فلا نكون قد ظلمناه إن قلنا إنه لم يقرِّبنا بتاتًا من التعرُّف إلى حقيقة الفن!
يلاقيه روجيه غارودي (الواقعي الاشتراكي آنذاك) من ضفة «واقعيته» – التي «لا ضفاف لها» حقًّا! – ليقول: «لا يمكن لنا أن نسمي فنًّا إلا ما هو إنساني حقًّا، أي ما هو ليس طبيعة، بل ينفصل بالذات عن الطبيعة»، متكئًا على مقولة پيكاسو (بعد تشويهها بما يتناسب مع إيديولوجيا المفكِّر) التي يقول فيها: «الطبيعة والفن شيئان مختلفان، ونحن نعبِّر، بواسطة الفن، عن مفهومنا لما نفتقده في الطبيعة». وبقليل من التمحيص لا تصعب علينا ملاحظةُ الفرق بين المقولتين: فپيكاسو لا ينفي الطبيعة ولا يلغيها، بل يلتقي مع ذلك المفهوم الشائع لدى الفنانين، الذي عبَّر عنه إدغار دوغا قائلاً: «حتى الهواء الذي في اللوحة ليس هو الهواء الذي نتنفَّسه».
قدَّمت نموذجين فقط؛ ويمكن العثور على المئات من تحليلات كهذه لكتَّاب ومفكِّرين يُعدُّون «كبارًا». وما على القارئ إلا العودة إلى أقوال السورياليين، مثلاً، إلى آراء بروتون وأراغون وكوكتو، التي ينفون فيها الموهبة باعتبارها رياءً، والخبرة لكونها نفاقًا، ليكتشف مدى تأثير الانتماء الفكري والإيديولوجي للكاتب على آرائه وأفكاره، مع معرفتنا جميعًا أن السورياليين كانوا ببساطة «يكذبون» من باب التمرُّد: فهم لم يتركوا بابًا للإبداع إلا وطرقوه ! لكننا لن نتوقف عند نقد تلك الآراء؛ فليس هذا هدف حديثنا المعني بمناقشة بعض المفاهيم المتداوَلة في حقل النقد الفني.
من التعريفات بالفن الملفتة للنظر هذا الذي يقول إن «الفن تعبير عن رؤيا» – لتكرَّ سبحةُ الكلمات المتقاطعة مع كلمة «رؤيا»، مثل «الإبداع» و«الإلهام» وغير ذلك. وربما تكون مقولة إن «الفن رؤيا» أكثر تسرُّعًا ولامسؤولية في هذا السياق، لأنه إن كان الفن رؤيا «يمكن عندئذٍ لأيِّ إنسان أن يكون شاعرًا»، كما ادَّعى أندريه بروتون في بيان السوريالية، ليصل في تطرُّفه ذاك إلى القول: «أيُّ فضل للشاعر الذي يدوِّن ما يُمْليه لاوعيُه؟» (و«اللاوعي» لعنةُ فرويد التي تقمَّصتْ معظم المبدعين الذين عاصروا كشوفات أستاذ علم النفس.) لكننا نعرف أن هذا غير صحيح: فليس جميع الناس شعراء وفنانين، على الرغم من موافقتنا على أن الحدوس والرؤى ليست حكرًا على قلَّة من «المختارين»؛ بل يمكن التأكيد، وفقًا لمفهوم أوسع للإنسان والطبيعة، بأنها ملَكات طبيعية في الإنسان. ولذلك فإن اعتبار الفنِّ شيئًا متعاليًا عن الواقع، مفارِقًا للطبيعة، إنما يستند إلى مفهوم بالغ الضيق للطبيعة والواقع، ويرتكز على «وهم الانفصال»: انفصال الإنسان عن العالم، الذات عن الموضوع، الداخل «الروحي» عن الخارج «المادي»، إلى آخر هذه الثنائيات.
آخر تعديل mblove5 يوم 30-3-1429هـ في 10:22 مساء.
|