حب .. من تحت الرماد
من تحت الرماد ..
لا توجد قضايا مؤلمة .. ومشكلات مستعصية .. وحكايات حزينة ..
إنما توجد أيضاً قصص حب سعيدة جميلة تبعث في النفس الأمل والتفاؤل ..
قصص .. لا نحكيها ..
لأننا نخاف من قصص الحب .. فندفنها تحت الرماد ..
اليوم .. من تحت الرماد .. سنُخرج قصة من الواقع ..
يجب أن نرويها ونركز الضوء عليها .. لما فيها من إخلاص نادر .. ووفاء عظيم ..
علنا نتعلم ونفهم قيمة الحب في الحياة .. وأهميته من أجل البقاء والإستمرار ..
الحب الذي يعيد نبض الحياة إلى المرضى ..
وعدمه يسير الأصحاء إلى الموت ..
شعرت بأهمية طرح قيمة الحب في الحياة .. وأنا أقرأ قصة " بربارة براشرز " ..
من ولاية ميسوري في أمريكا ..
هذه المرأة قضت عامين وهي في غيبوبة كاملة .. إلى أن أنقذها حب زوجها " جو " ..
كان " جو " يقصد المستشفى كل يوم ويجلس إلى جانب سرير زوجته يحدثها
عن الأيام الحلوة التي عبرت حياتهما .. يغمرها بحبه وعطفه ..
كان ينقلها من سريرها إلى كرسي متحرك .. يصف لها كل ما حولها ..
يسرح لها شعرها .. يجملها .. يتغزل بجمالها ..
يقوم بأعمال مختلفة علها تشعر بوجوده فتستيقظ من غيبوبتها ..
وأخيراً .. وفيما كان " جو " يقوم بتدليك كتف " بربارة " سألها بحنان ..
هل تريدين أن أستمر في التدليك ؟
وكل ما سمعه أنَّة عميقة من زوجته الغائبة عن الوعي ..
لكن وفي خلال دقائق .. أخذت " بربارة " تتحدث بسرعة وتروي ل " جو " المندهش
من المفاجئة السارة .. تفصيلات ما قاله وما قام به خلال الفترة الماضية ..
هذا الزوج المحب كان مؤمناً أن عشرين عاما من الحياة الزوجية السعيدة
المليئة بالحب قادرة على أن تعيد زوجته إلى وعيها ..
" بربارة " لا تزال طريحة الفراش .. فهي مصابة بشلل من عنقها إلى أسفل قدميها ..
تقول أنها خلال العامين كانت أشبه بسجينة في غرفة مغلقة ..
كانت تصرخ .. وتنادي .. ولكن لا حياة لمن تنادي ..
ولولا زوجها وحبه وعطفه ورعايته لقتلت في نفسها إرادة الحياة ..
هذا الزوج المحب المؤمن بأن الحب يحقق المعجزات ينتظر أن تمشي " بربارة " غداً
وأن ترقص بعد غد ..
صوره للحب أكثر من رائعة .. شبيهة بقصص الأساطير والخيال ..
إنه الحب في أجمل مظاهر الإنسانية ..
فلا هو حب مادي .. ولا منفعة .. ولا مصلحة ..
إنما عطاء متدفق مليء بالرحمة والوفاء والإيثار والإحتواء ..
إنه يعطي كل شي .. ولا ينتظر في المقابل .. أي شيء ..
هذا هو الحب الذي تتجدد به الحياة ..
فالعمر إن بدا مستمراً في الجسد .. فإنه بالحب يتجدد في كل لحظة كما يتجدد ماء النهر ..
الإنسان ولد من " نطفة حب " .. في لحظة حب ..
وقد يعترض البعض .. فأنا أقول ..
المسألة ببساطة هي أن نعي حقيقة بديهية .. أن الإبن قد جاء إبناً في لحظة حب ..
وحتى الأزواج الذين يدعون أنهم لا يحبون زوجاتهم ..
وحتى الزوجات اللاتي يدّعين أنهن يكرهن أزواجهن ..
هؤلاء وأولئك ينسون أن اللحظة التي أنجبت الطفل كانت لحظة رضا ولم تكن لحظة إغتصاب ..
الإنسان هو الحب ..
والحب هو الإنسان ..
لكن للأسف .. تربيتنا السيئة .. ونشأتنا العليلة ..
علمتنا وعودتنا أن نسجن مشاعرنا داخل أنفسنا ..
وحولت أعماقنا معتقلات لمشاعرنا وأحاسيسنا ..
تعودنا أن نصب ملامحنا في قوالب حديدية من القسوة والصرامة وبلادة التجارب والتفاعل ..
إلى أن أصبحت وجوهنا صمّاء .. لا تبدو عليها أية مشاعر وأحاسيس وإنفعالات ..
يقال لنا .. لا تضحكوا .. لا تبكوا .. لا تصرخوا .. لا تهللوا ..
السيد الوقور أو السيدة المهذبة دائماً في حالة إنضباط ..
غلط ..
كل هذه التوجيهات خاطئة .. مدمرة ..
التربية الصحيحة والتوجيه السليم ,, هو البوح .. التعبير .. التلقائية ..
لذا أقول لك قارئي .. لماذا لا تضحك ؟
إضحك .. حين تريد أن تضحك ..
إبك .. حين تشعر بحاجتك للبكاء ..
اصرخ واقفز وهلل فرحاً أو غضباً حين تشاء ..
دع نفسك على سجيتها .. دع ما في أعماقك يطفو على سطح تصرفاتك ..
إياك أن ترتضي إدخال مشاعرك وعواطفك مخيم العيب والممنوع ..
وتحشر أحاسيسك و إنفعالاتك في معسكر التقاليد والعادات ..
بل أنصحك أن تجعل أقوالك وأفعالك جنوداً مجندة لمشاعرك ..
تذكر دائماً أن التعبير عن الحب يبلل جفافك ..
يجعلك نسمة ربيع .. وقطرة ندى تشتاق لك الأزهار والورود ..
أحذرك ..
أن تنساق مع هذا التيار المادي ..
مع هذا اللهاث المجنون وراء المظاهر والقشور .. وتنسى نبض قلبك ..
فالنفس تجوع إلى الحب .. كما تجوع العين إلى النور ..
أحذرك ..
من كتم المشاعر ..
وكبت الأحاسيس ..
وإلا ..
ستجد أنك .. بمرور الزمن .. أصبحت مشلول المشاعر ..
لا تجيد فن البوح والتعبير ..
لا تفلح بالقول لحبيبك بكل بساطة وهدوء وتلقائية ..
" أحبك " ..
قهر المشاعر .. أبشع أنواع القهر ..
فأعتقوا الحب من سجون عواطفكم قبل فوات الأوان ..
فالحب لا نعرف عمقه وقيمته إلا بعد الفراق ..
ما أوجع الندم على فوات كل لحظة لم نستثمرها في إظهار مشاعرنا لمن نحب ..
غباء أن نحول نار المشاعر إلى ثلج يجمدنا .. ويجعلنا كالمومياء المتحركة ..
وجوه مخيفة بلا ملامح ..
وجوه متآكلة ..
تحب ولا تعبر .. تشتاق ولا تتأوه ..
فقدان الحب هو فقدان الرغبة في الحياة ..
الحب هو قوة الجذب للحياة والتمتع بها ..
بالحب تسمو الروح وتشف وتتمسك بالحياة وتتطلع للصفاء
واحتضان كل ما في الوجود ..
ما أروع الزوجين المتحابين السعيدين ..
ما أروع الأسرة المتماسكة ..
ما أعظم الحب الذي يجدد الإنسان ويجعله يبدع ويبتكر ..
إن كل العوائق والعقبات في الحب من صنع الإنسان ..
الحب متدفق كجدول يجري في مجراه لا يبالي بالعوائق التي يضعها البشر أمامه ..
الحب لا يعترف بالسدود ..
ولا بالصدود ..
إنه في أعماقنا .. لأننا ثمرة من ثمراته ..
كل ما علينا فعله لنحيا سعداء نحن ومن نحب ..
أن نترجم مشاعرنا .. أقوالاً وأفعالاً ..
نترجمها ..
بنظرة .. بلمسة .. بكلمة .. بوردة .. بدعوة خاصة .. برشة عطر ..
ولنتذكر هذه العبارة ..
هناك أرض للأحياء .. وأرض للموتى .. والجسر بينهما " الحب " ..
تقبلوا تحياتي ..
محبكم ... مرهف
|