(كل شيء رأيته وسمعته منها أعجبني, والله ما رأيت شيئا منها قط الا كان في عيني حسنا وبقلبي علقا, ولقد جهدت ان يقبح منها عندي شيء او يسمج او يعاب لأسلو عنا فلم اجده).
هذه العين التي تغض عن كل عيب وتجمل كل خلة, لابد إن وراءها قلباً يجمل بهدير نبضه كل ذاك, ولابد لهذا العشق من ان يبلغ مداه, ويتشكل ليكون امثولة كبيرة, ومثل هذا الحب لابد ان يكون نظاماً خلقياً رفيع المستوى, وهذا ما كان, وهذا ربما ما جعل بني عذرة مبعث احترام اقرانهم من القبائل, فهم قوم فيهم ظرف وعفة وصبابة, وبقلوبهم رقة قلَّ وجودها في بقية القوم, وهذا ما اكده صاحب (مصارع العشاق)...
حيث يذكر ان عروة بن الزبير قال لرجل من عذره:
يا هذا, بحق اقول لكم انكم ارق الناس قلوباً, فقال العذري: نعم والله, لقد تركت بالحي ثلاثين خامرهم السل وما لهم داء إلا الحب.
وقد روى الاصمعي حادثه مشابهة, اذ قال: سألت اعرابياً من بني عامر بن صعصعة عن المجنون العامري فقال: عن ايهم تسألني؟
فقلت: أسأل عن الذي كان يشبب بليلى, فقال: كلهم كان يشبب بليلى, قلت فأنشدني لبعضهم, فأنشدني اشعارا لمزاحم بن الحرث المجنون, ومعاذ بن كليب المجنون, فقلت: انشدني لغير هؤلاء, فأنشدني لغيرهم, وأنشدني لابن الملوح, فقلت: انشدني لغيرهم.
فقال: حسبك. فوالله ان في واحد من هؤلاء لمن يوزن بعقلائكم اليوم.
هكذا نرى ان العشق العفيف كان من سمات العربي, وكانت العرب توقر العشق والعشاق, وتعدهم امثولة حسنة...
وليس ادل على هذا الامر من حادثة عفراء وعروة بن حزام, التي اوردها ابن قتيبة في الشعر والشعراء, حيث يورد, ان عروة بن حزام وهو من بني عذرة, كان احد العشاق الذين قتلهم الحب, وقد احب عفراء بنت مالك العذرية, وكان ابوها قد زوجها رجلا اخره.
الا ان علاقته بها استمرت, فكان يلم بعفراء سراً, وحين بلغ الحبيبة موت عروة, استأذنت زوجها في الخروج لتندب الرجل الذي احبها قائلة له: يا هناه, قد كان من امر هذا الرجل ما قد علمت, وما كان والله الا على الحسن الجميل, وقد بلغني انه مات في ارض غربة, فإن رأيت ان تأذن لي فاخرج في نسوة من قومي فنندبه ونبكي عليه, فأذن لها, فخرجت, فما زالت تندبه ثلاثا حتى توفيت في اليوم الرابع. وقيل إن خبرهما بلغ معاوية فقال: لو علمت بحال هذين الحرين الكريمين لجمعت بينهما.
ومن هذا نستنتج ان العاشق هنا كان صادق الحب عفيفاً متحكما بنزواته وشهواته, مفرط الاخلاص لمن يحب, وفياً يحلّ المرأة التي احب يحترمها حاضرة كانت ام غائبة, حسن القول, سخي بكل ما تحت يديه, وهذا العاشق, وبهذه الصورة المثالية يعجز الرجل العادي ان يرقى اليه, وهذا ما نجده في حكاية قيس بن ذريح, او قيس لبنى كما يعرف, حيث اشارت المصادر الى ان قيساً حين انفصل عن لبنى بعدما اقسم ابوه ان لا يأوي تحت سقف الا اذا انفصل عن لبنى, وقد بذل قيس المستحيل من اجل ارضاء ابيه فما استطاع, وهكذا فعل ما فعل, وانتهى الى ما انتهى اليه مريضاً لا يعرف له داء, فاتفق قومه مع اراء الحكماء (على ان يامره بتصفيح احياء العرب, فلعل عينه تقع على امرأة تستميل عقله, واقسموا عليه ان يفعل ففعل, واتفق انه نزل بحي من فزارة فرأى جارية قد حسرت عن وجهها برقع خز, فهي كالبدر حسن وبهجة, فسأل عن اسمها فقالت لبنى, فسقط مغشياً عليه, فارتاعت الفتاة منه ونضحت الماء بوجهه وقالت:
ان لم تكن قيساً فمجنون, فلما افاق استنسبته فاذا هو قيس بن ذريح, فأقسمت عليه ان ينال من طعامها فتناول قليلاً وركب, فجاء اخو الفتاة على اثره, فاعلمته القصة, فركب حتى استرده, واقسم ان يقيم عنده, شهراً, وكان الفزاري يعجب به ويعرض عليه المصاهرة, حتى لامته العرب وقالوا: نخشى ان يصير فعلك سُنة, فيقول: دعوني ففي مثل هذا الفتى يرغب الكرام.
وقيس يقول له: ان منكم الكفاية, ولكني في شغل لا ينتفع بي معه, فألح عليه حتى عقد له على اخته ودخل عليها, فاقام معها اياماً لا تهفو نفسه اليها ولا يكلمها, ثم استأذن في الخروج الى اهله, وكان يصف حاله بعد فراق لبناه قائلا:
واني وان ازمعت عنها تجلدا
على العهد فيما بيننا لمقيمُ
الى الله اشكو فقد لبنى كما شكا
الى الله فقد الوالدين يتيم ؟!
ونحن هنا ربما لا نستطيع ان نقاوم سؤالا يفرضه المنطق, وهو ما هو هذا الحب, وكيف كان, بحيث يجعل رجلا من بين الاعراب يبدو كمن فيه مسّ من الجنون, وما هذه العاطفة التي تدفع القلب الى اعلان اضراب النبض كلياً واستقبال الموت بثغر مبتسم.
لنرَّ ما يقول عروة بن حزام في عفراء,
هواها هوىً لم يعرف القلب غيره
فليس له قبل وليس له بعدُ
وهذا مجنون ليلى يشي الينا ما به فيقول:
يهوى بقلبي حديث النفس نحوكم
حتى يقول جليسي انت مخبول
..
وا ما جميل بثينة فانه يصف حاله ويأسى لفرط ما الم به فيقول:
ما زلت بي يا بثن حتى لو انني من الوجد, استبكي الحمام بكى ليا
ويؤكد جميل بثينة حالاً اخر حين يقول:
وبين الصفا والمروتين ذكرتكم بمختلف
والناس ساع وموجف
ويعنف نفسه حين يذكرها في حال لا يجوز ان يذكر فيها سوى خالقه الجليل الكريم, فيبكي قائلاً:
أصلي وابكي في الصلاة لذكرها
لي الويل مما يكتب الملكان
هذه الصور الملتاعة, الآسرة, التي نقشت في ذاكرة التاريخ وخزنت في خزانات الدهر تشي بصورة مشعة آسرة لما كانت عليه العاطفة, ولما لعبته من دور كبير في بنا ء صورة العربي النبيل المشوب القلب الشجاع, الكريم, المتخلق بكل عفة وكرامة.
والسؤال الذي يظل شاخصاً لماذا سقطت هذه العاطفة ولم تعد اليوم متوهجة كما كانت؟
لماذا اقفلنا قلوبنا بهذه الطريقة, وحكمنا عليها بالاقامة الجبرية وبالاشغال الشاقة المؤبدة؟
اخوكم حنون
عبدالله العجمي
مشكور اخي على الموضوع يلي اكتر من قيم
والجواب اكيد
هو انو احنا نفسنا اردنا هاد الشي يعني مستحيل اي انسان تموت عواطفه بدون ما يكون هو يلي وقع اتفاقيه الموت بيديه
اكيد ومؤكد لاكن لابد لنا ان نقف مع انفسنا جلسة مصارحه ونعاتب قلوبنا لماذا اقفلت الابواب ومنعت العاطفه والحنان الصادق واتمنى تحت كلمه صادق ان يوضع مليون خط احمر